مدونة كرم عساني

نحن لم نكن نطافًا، أبدًا

الكثير من عامة الناس وخاصتهم يقعون في مغالطة علمية حرجة في قولهم بأننا كنّا نطافًا "في البدء"، وهذه المغالطة شاعت بشكل واسع فأصبح بعض الوعّاظ ينثرون القصص الأدبية بأننا، أنا وأنت وكل البشر ربما، كنا يومًا ما مع ملايين النطاف في ظلمات الرحم، فثابرنا ونافسنا من أجل الحياة، وتمكنا من الوصول إلى البويضة (أو بشكل أدق، البيضة الثانوية) حيث فزنا على باقي النطاف!

بعيدًا عن ماراتون النطاف هذا، سأوضح لك تاليًا بأن هذه القصص لا تحدث كما تروى، لأننا ببساطة لم نكن أبدًا نطافًا. يمكننا فلسفيًا تعريف بداية أي شخص منا بظهور أول خلية تحمل الDNA الفريد خاصتنا، وحسب العلم الحديث، فإن الخلية الأولى التي تظهر وتحمل الـDNA الذي يحمله الإنسان هي البيضة الملقحة zygote. اعتمادًا على التعريف السابق، فأننا قبل ظهور البيضة الملقحة خاصتنا لم نكن موجودين. ولذلك، فإن النطفة sperm ليست بدايتنا، وإن كانت "نصف" بدايتنا، فإن البويضة egg هي "النصف" الآخر. العجيب أن هؤلاء الوعّاظ لا يتكلمون أبدًا عن البيضة الثانوية منذ خروجها من الجريب الممزق ورحلتها القصيرة في القناة الناقلة للبيوض، ربما بسبب سهولة هذه الرحلة ووحدانية هذه البيضة (حيث لا يوجد ملايين منها كما الحال مع النطاف)، فالمغزى الأساسي لقصص الوعّاظ تلك هو السباق من أجل الحياة في مرحلة ما قبل الحياة، وبعيدًا عن غرابة هذا المغزى، فإنه -أي المغزى- ينعدم تمامًا عندما نطبق نفس الأمر على النصف الآخر من بدايتنا، أي البويضة.

إن كنّا بالفعل نطفة في أول مرحلة لنا، فلمَ لم نكن أيضًا خلية ظهارية للقنوات المنوية؟ لمَ لم نكن البداية الجذعية لخصية الأب؟ أو لمَ لم نكن أساسًا البيضة الملقحة للأب؟ ماذا عن الجد؟ أو ربما سنذهب بعيدًا إلى الـabiogenesis! هل حقًا هذا الكلام منطقي؟ بالطبع لا، وإن كان كذلك، فليس من الحكمة أن نسرد قصة الكون منذ الانفجار العظيم Big Bang حتى نجعل حياتنا تبدو كاختيار لنا.

ومن هنا نرى أن القول بأننا بدأنا من نطفة أو كنا نطفة تتسابق وتتنافس ما هو إلا مغالطة غير منطقية وغير علمية كذلك. وفي النهاية، فإن تلك القصص قد شاعت بفعل الأيديولوجية الذكورية في الأوساط الاجتماعية، لأن النطفة تأتي من الذكر، وهذا ما يوهم الناس بأن النطفة "أهم" من البويضة، وأن الذكر "أهم" من الأنثى. عجبًا كيف يشتري الناس هكذا قصص!

مقالة خارجية متعلقة: أساطير النطاف، التنافس.